القاضي عبد الجبار الهمذاني

93

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ما تقدم ؛ وقد علمنا أنه لا يجوز انقطاع ذلك التكليف الأوّل [ والفعل واحد « 1 » ] لأنا قد دللنا من جهة العقل ، على أن الفعل الواحد لا يصح فيه الوجوب والسقوط ، وإنما يصح ذلك في فعلين ، وكذلك القول أنه لا يجوز فيه التحريم والإيجاب ، وإنما يصح ذلك في الفعلين ، فصار النسخ على الوجه الّذي ذكرناه يتضمن تغاير الأفعال ، وإن كان لفظه لا يقتضي ذلك ، لأنه لا فرق بين أن يقتضيه الدليل العقلي ، وبين أن يقتضيه لفظه ، فإذا كان لفظ الدليل لو اقتضى ذلك لم يجز أن يلتبس بالفعل الواحد ، فكذلك القول إذا اقتضاه الدليل العقلي ، بل ما يقتضيه الدليل العقلي أوكد ، لأنه يخرج عن « 2 » باب الاحتمال . فإن قال : أليس تجويز زوال التكرار بوقوع العجز في كل وقت مستقبل ، كتجويز دوامه ، بأن لا يحدث ذلك ، ومع ذلك فلا يوصف العجز بأنه نسخ ، ولا الدلالة الدالة على زوال التكرار بالعجز أنها ناسخة . قيل له : لأن الدليل الدال على ذلك غير منتظر ، بل هو مقارن للدليل الشرعي أو متقدم له ، ولأن العجز وما شاكله مما يزيل التكليف ، منتظر لا محالة ، مقطوع عليه ، وإنما ينصرف التجويز إلى تفصيله دون جملته ، لأنا في أوقات معينة تجوز أن يدوم التكليف ، وأن ينقطع ؛ فأما على الجملة فلا بد من أن نعلم انقطاعه ، وليس كذلك ما نبينه نسخا ، لأنه منتظر في أصله غير مقطوع به من حيث يجوز أن لا يحدث أصلا ، فيدوم التكليف إلى وقت زواله ، ويجوز أن يحدث ، فلذلك خصصناه بأنه نسخ تشبيها بقولهم : نسخت الريح آثارهم ، لما كانت تأتى من حيث لا نحتسب ، ومن حيث لا يعرف حالها .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » . ( 2 ) ساقطة من « ص » .